الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
497
تفسير روح البيان
ربه كما وقع للنصراني المذكور حين رأى الكعبة التي هي صورة سر الذات وكما وقع لعبد اللّه ابن سلام فإنه حين رأى النبي عليه السلام آمن وقال عرفت انه ليس بوجه كذاب نسأل اللّه حقيقة الصدق والإخلاص والتمتع بثمرات أهل الاختصاص وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا الجهاد والمجاهدة استفراغ الوسع في مدافعة العدو اى جدوا وبذلوا وسعهم في شأننا وحقنا ولو جهنا خالصا . واطلق المجاهدة ليعم جهاد الأعداء الظاهرة والباطنة اما الأول فكجهاد الكفار المحاربين واما الثاني فكجهاد النفس والشيطان وفي الحديث ( جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم ) ويكون الجهاد باليد واللسان كما قال عليه السلام ( جاهدوا الكفار بأيديكم وألسنتكم ) اى بما يسوءهم من الكلام كالهجو ونحوه قال ابن عطاء المجاهدة صدق الافتقار إلى اللّه بالانقطاع عن كل ما سواه وقال عبد اللّه بن المبارك المجاهدة علم أدب الخدمة فان أدب الخدمة أعز من الخدمة وفي الكواشي المجاهدة غض البصر وحفظ اللسان وخطرات القلب ويجمعها الخروج عن العادات البشرية انتهى فيدخل فيها الغرض والقصد لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا الهداية الدلالة إلى ما يوصل إلى المطلوب . والسبل جمع سبيل وهو من الطرق ما هو معتاد السلوك ويلزمه السهولة ولهذا قال الامام الراغب السبيل الطريق الذي فيه سهولة انتهى . وانما جمع لان الطريق إلى اللّه بعدد أنفاس الخلائق والمعنى سبل السير إلينا والوصول إلى جنابنا وقال ابن عباس رضى اللّه عنهما يريد المهاجرين والأنصار اى والذين جاهدوا المشركين وقاتلوهم في نصرة ديننا لنهدينهم سبل الشهادة والمغفرة والرضوان وقال بعضهم معنى الهداية هاهنا التثبيت عليها والزيادة فيها فإنه تعالى يزيد المجاهدين هداية كما يزيد الكافرين ضلالة فالمعنى لنزيدنهم هداية إلى سبل الخير وتوفيقا لسلوكها كقوله تعالى ( وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً ) وفي الحديث ( من عمل بما علم ورثه اللّه علم ما لم يعلم ) وفي الحديث ( من أخلص للّه أربعين صباحا انفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ) وقال سهل بن عبد اللّه التستري رحمه اللّه والذين جاهدوا في إقامة السنة لنهدينهم سبيل الجنة ثم قيل مثل السنة في الدنيا كمثل الجنة في العقبى من دخل الجنة في العقبى سلم كذلك من لزم السنة في الدنيا سلم ويقال والذين جاهدوا بالتوبة لنهدينهم إلى الإخلاص . والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم إلى طريق العمل به . والذين جاهدوا في رضانا لنهدينهم إلى الوصول إلى محل الرضوان . والذين جاهدوا في خدمتنا لنفتحن عليهم سبل المناجاة معنا والانس بنا والمشاهدة لنا . والذين اشغلوا ظواهرهم بالوظائف أوصلنا إلى أسرارهم اللطائف والعجب ممن يعجز عن ظاهره ويطمع في باطنه ومن لم يكن أوائل حاله المجاهدة كانت أوقاته موصولة بالأماني ويكون حظه البعد من حيث يأمل القرب والحاصل انه بقدر الجد تكتسب المعالي فمن جاهد بالشريعة وصل إلى الجنة ومن جاهد بالطريقة وصل إلى الهدى ومن جاهد بالمعرفة والانفصال عما سوى اللّه وصل إلى العين واللقاء . ومن تقدمت مجاهدته على مشاهدته كما دلت الآية عليه صار مريدا مرادا وسالكا مجذوبا وهو أعلى درجة ممن تقدمت مشاهدته على مجاهدته وصار مرادا مريدا ومجذوبا سالكا لان سلوكه على وفق العادة الإلهية ولأنه متمكن